القدرة والإرادة



القدرة والإرادة

القدرة هي الصفة التي يُتمكّن بها من الفعل([1])، ووصفُ الله تعالى بها يعني في حقّه القُدرة الـمُطلقة الكاملة من كل وجه.

وجاءت القدرة في الكتاب والسنة بهذه اللفظة وألفاظ أخرى متقاربة المعنى.

وفي المقال إجابة عن الأسئلة التالية:

كيف صّور القرآن الكريم القدرة؟ وما علاقتها بالإرادة؟ وماذا نتعلّم نحن البشر من كل هذا؟


أولًا/ قدرة الله تعالى:

اعتقاد اتصاف الله تعالى بالقدرة المُطلقة هو أمرٌ أثبته الوحي بطرق متنوعة، لنَخلص إلى أنّ قدرة الله سبحانه تختص عن غيرها بأمور([2]):

* قدرته سبحانه كاملة، تُمكنه من الفعل من غير اشتراط سبب، بل هو تعالى الذي قدّر أن تكون أفعال خلقِه جاريةً وفق السُنن والأسباب التي خلقها، فهو الذي يحكم هذه القوانين ولا تحكمه هي سبحانه([3])، فإن شاء تعالى أبقى جريان هذه القوانين كما اقتضت حكمته، وإن شاءَ أوقفها حينًا ليُظهر كمال قدرته. ومن ذلك تنوّع خلقِه للناس، تارةً بأسباب، وتارةً بقوله "كن" فيكونوا. الأول كقوله تعالى: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات:49]. والثاني كقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران:59]، فكل ذِكرٍ لآياته الكونية -ما يحدث منها وفق سبب طبيعي أو غيبي- يُفيد كمالَ قدرته وتمام مُلكه وتدبيره.

* قدرته شاملة، قال سبحانه: {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت:39]([4]) فهو القدير الذي يقدر على ما لم يقع؛ لو تعلقت به مشيئته لوقع دون أن يَحول عن إنفاذ فعله شيء، كما قال تعالى: {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ} [سبأ:9]، فكل شيء ممكن بالنسبة لقدرة الله عزّ وجل، فلا يوجد مستحيل يقف أمامها، ولا أدل على ذلك من قدرته على الإيجاد من العدم([5])، وما لا يفعله؛ فلأن إرادته الكونية لم تتعلق به، وليس لنقص قوة.

* قدرته تعالى على أمور لا يستطيعها سواه، كالخلق والبعث ونحوهما، وهو تخصيص يدل على الكمال المُطلق، كقوله تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء:49-51].

* نفي العجز والعِيّ واللُّغوب عنه سبحانه، وهي مما يُضاد كمال القدرة، كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [فاطر:44].  


ثانيًا/ قدرة الإنسان:

         جاءت نصوص الوحي بإثبات قدرةٍ للإنسان، مع تبيين التالي([6]):

* أصل الإنسان الضعف، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم:54] فأثبت للإنسان قوة، ومع ذلك بيّن أنها سُبقت بضعف ومتبوعة بآخر.

* قدرته ليست مُستقلة، ففي دعاء الاستخارة: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ...) [البخاري:1162] فمصدر قدرة الإنسان هو الله تعالى، فإن (أستقدرك بقدرتك) تعني طلب الإقدار من الله([7]).

* لدى الإنسان قابلية للاغترار بقدرته، كما حدث من قوم عاد، قال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت:15]، فهؤلاء استكبروا بقوة أبدانهم([8])، فانتهى غُرورهم إلى أن ما هم فيه من قوة يمنع عنهم عذاب الله! فكان التوجيه الرباني للانتفاع بما وقع لهم: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} فهذا يعني أنّ استحضار التفاوت بين القدرتَين مانعٌ من الاغترار.


ثالثًا/ علاقة القدرة بالإرادة:

         تنتجُ الأفعال عمومًا من اجتماع إرادة الفعل وتوفر القدرة عليه، وليكتمل تصوّر الموقف القرآني من القدرة؛ لابد من معرفة ما ورد عن الإرادة:

* إرادة الله تعالى: تنفرد قدرة الله دون قُدرات مَن سواه، باقترانها بالمشيئة النافِذة([9])، فهو سبحانه يفعل بقدرةٍ ومشيئة، وهذا من دلالات الكمال، فالقادر المُريد المُختار أكملُ في ميزان العقل السليم من القادر الذي يفعل شيئًا فيلزمه مفعوله دون إرادةٍ منه([10]). قال تعالى: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج:16] أي الإرادة الكونية، التي لابد من وقوعها. فالله ذو مشيئةٍ نافذة، وما لا يفعله سبحانه؛ فلعدم إرادته له كونًا([11]) ولحكمته تعالى، كما قال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [المائدة:48].

* إرادة الإنسان: أثبتها الله تعالى، وبيّن بوضوح عدم استقلاليتها بالنفاذ، فقال: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:28-29]([12])، وفي الآية رد على أهل الإفراط المُغالين في إثبات مشيئة مستقلة للإنسان، وأهل التفريط النافين عن الإنسان المشيئة؛ فأثبتت مشيئة الإنسان وفِعله ومشيئة الله وربوبيته، وقطعت بأن مشيئة العبد معلقة بمشيئة الله جلّ وعلا([13]).


وأخيرًا/ الدروس التربوية:

المحصّلة أن قدرة الإنسان سببٌ لفعله، يحتاج معها لإرادة، وإلى مشيئة الله سبحانه، وأن يُقدِره على الفعل، أي أنّ قدرة الإنسان محدودة، فتتأكد حاجته لله تعالى.

وهذا التصوّر يُثمر فوائدَ سُلوكية ودُررَ تربوية:

1- تعظيم الله واليقين به واللجوء بالدعاء إليه وقوة التوكل عليه: لكمال قدرته ونفاذ مشيئته.

2- عدم المبالغة في قُدرات الذات: فالإنسان محدود القدرة، وما يفعله من الخير والإنجاز هو من توفيق الله، فلا حول ولا قوة للمرء إلا به.

3- السعي بالعمل وبذل الوُسع: فإثبات القدرة والإرادة للإنسان يدفعه إلى الحرص على ما ينفعه، والسعي إليه بجد؛ إيمانًا بأهمية الأخذ بالأسباب.

4- الصبر عند عدم تحقّق المُراد والرضا عند العجز: لمعرفته أنّ قدرته ليست مُطلقة، وإرادته ليست دائمًا نافذة، فيتقبّل نفسه، ويرضى بقضاء الله.

5- التواضع مع الناس: فالأصل في البشر الضعف، وقُدراتهم متفاوتة، فيحتاجون إلى التآزر والتعاون فيما بينهم، وأن يتواضع القوي منهم للضعيف.

6- الوعي الفكري ومقاومة الخرافة: فكل ادّعاء لقدرةٍ خارقة؛ سيعرف المرء بطلانه؛ لمخالفته ما جاء في الوحي.

7- الوسطية السلوكية: فيؤمن المرء أنّ له قدرةً وقوة، مع اعتقاده أنها غير مستقلة بالفعل، ولا لازمة النفاذ، فلا يُعظّم في قدراته غُلُوًا، ولا يُفرِّط فيها تكاسلًا.

8- الوسطية المنهجية: فينقاد المسلم لجميع النصوص الشرعية، ولا يكتفي بدلالة بعضها عن دلالة أخرى، فلا يقع منه خلل في الفهم ولا سوء في التطبيق.



  جمانة بنت ثروت كتبـي

شعبان 1446هـ

 

هذا المقال أصله مواضع ملخصة من رسالتي 

(دلالات النصوص الشرعية على حدود القدرة الإنسانية)

للمشاركة به في الكتاب المشترك (دُرر تربوية من القرآن) 

من مطبوعات دار ريادة 1447هـ - 2025م. 

 


([1]) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، الأصفهاني، (657).

([2]) راجع بحث: قدرة الله تعالى وقدرة العبد بين السلف ومخالفيهم، أحمد الزهراني، (64-83).

([3]) انظر: القضاء والقدر في الإسلام، فاروق الدسوقي، (2/353).

([4]) انظر: منهاج السنة، ابن تيمية، (2/7).

([5]) انظر: القضاء والقدر في الإسلام، فاروق الدسوقي (1/240).

([6]) راجع بحث: دلالات النصوص الشرعية على حدود القدرة الإنسانية، للكاتبة، (45-47).

([7]) انظر: النهاية، ابن الأثير، (4/21).

([8]) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، (387-388).

([9]) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام، (8/188)، وإرادة الله في المقال: الإرادة الكونية أو المشيئة، وليست الإرادة الشرعية.

([10]) انظر: منهاج السنة، ابن تيمية، (1/233).

([11]) انظر: شفاء العليل، ابن القيم، (1/341و407و434و441).

([12]) انظر: الصواعق المرسلة، ابن القيم، (1/181).

([13]) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام، (8/488).


تعليقات