الدعاء مجددًا.. تذكير وتحفيز

 


الدعاء مجددًا.. تذكير وتحفيز

         بلّغنا الله أيامًا فضيلة، وها نحن ذا مُقبلون على ليالٍ عظيمة، الـمُوفق فيها مَن وُفّق إلى الدعاء، وجمع في قلبه مع الدعاء الرجاء، واستحضر عظمة السميع المجيب سبحانه، الذي اتصف بالقدرة التامة والمشيئة النافذة، مع علمٍ وحكمةٍ بالغتَين مُنتهاهما في الـحُسن، وهو تعالى مع كل هذا لطيفٌ كريمٌ وهّاب.

         ومن باب التعاون على البر والتقوى، والتذكير بالخير والدعوة إليه؛ أشارككم بعض الفوائد التي قد يغفل عنها بعض الداعين، فلعلّها تجدُ الآن سبيلًا إلى قَلب، وينفتح بها دَرب.

-      أولًا/ كما تحرص على الدعاء احرص على ما يحتف به:

قال ابن القيم -رحمه الله-: "ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يُستشفى بها ويُرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قَبول المحلّ، وقوة همة الفاعل وتأثيره. فمتى تخلّف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية... وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلّف عنه أثره، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاءً لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًا فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، ورَين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها"([1]). فإنّ تفاوت الداعين في تجنب الموانع قد يكون من أبرز أسباب الاستجابة لناسٍ دون آخرين، مع استواء الجميع في ذات الدعاء ربما!

وللاشتراك في لفظ الدعاء مع التفاوت في الاستجابة سببٌ آخر، يرجع إلى الأحوال التي يقترن بها الدعاء، فـ"كثيرًا ما تجد أدعية دعا بها قوم، فاستُجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه، وإقباله على الله، أو حسنة تقدّمت منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرًا لحسنته، أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك، فأُجيبَت دعوته. فيظن الظانّ أن السر في لفظ ذلك الدعاء، فيأخذه مجردًا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي. وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعًا في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، فانتفع به، فظن غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرده كافٍ في حصول المطلوب، كان غالطًا. وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس... والأدعية والتعوّذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحد فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعدٌ قوي، والمانع مفقود، حصلت به النِّكاية في العدو. ومتى تخلّف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير"([2]). أي أن المرء الحريص منا على أدعية الكتاب والسنة قد أتم سلاحه، وبقي عليه التأكد من مانعه، وتعاهد ساعِدِه.

-      ثانيًا/ تيقّن من الربح في كل حال:

ومن تجليّات رحمة الله تعالى ما يستبين في ثمرة الدعاء المقبول، فإن الربح حاصلٌ بالدعاء لا محالة، غير أن رحمة الله التي تنال عبده الداعي الذي يسأله شيئًا من حاجة دُنياه تتنوّع بين: أن يستجيب له، أو يصرف عنه تلك الحاجة مع تعويضه خيرًا منها، أو يصرف عنه بها سوءًا، أو يدّخرها له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنبًا. ومما دلّ على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ، ولا قطيعةُ رَحِمٍ؛ إلا أعطاه بها إحدى ثلاثَ: إما أن يُعجِّلَ له دعوتَه، وإما أن يدَّخِرَها له في الآخرةِ، وإما أن يَصرِف عنه من السُّوءِ مثلَها. قالوا: إذًا نُكثِرُ. قال: اللهُ أكثرُ) [رواه أحمد:11133، وحسّنه الألباني]([3]).

وفي خصوص السوء الذي ينجو منه الداعي، يقول ابن القيم -رحمه الله-: "والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يُخففه إذا نزل... وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء، فيدفعه. الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيُصاب به العبد. ولكن قد يُخففه، وإن كان ضعيفًا. الثالث: أن يتقاوَمَا، ويمنع كل واحدٍ منهما صاحبه"([4]).

وأما ادخار جزاء الدعوة إلى يوم القيامة، فلا شك في انتفاع المرء منه بل وسروره به. 

وبغض النظر عن هذه الوعود الربانية؛ فإن الدعاء يعود على صاحبه بالنفع لا محالة؛ لمجرد كونه عبادة. 

فالدعاء ذو صلةٍ بعبادة ذكر الله سبحانه، فكل واحدٍ من اسمَي الذكر والدعاء يتناول الآخر، فالداعي لله ذاكرٌ له، والذاكر لله داعٍ له أيضًا. فإطلاق الذكر على الدعاء من حيث كونه ثناءً وطلبًا، فالدعاء بما فيه من ثناء على الله تعالى يُسمى ذكرًا، وبما فيه من طلب هو كذلك ذكر؛ لأن في الطلب من الله ذِكر له لأنه المسؤول المدعو سبحانه.

وذكرُ الله تعالى يُسمى دعاءً باعتبار أن الذكر ثناء، والـمُثني يتعرّض لرحمة الله من جلب المنفعة ودفع المضرة، فصار سائلًا بحاله وإن كان مُثنيًا بِقَالِه، بل قد يكون ذكر الله أبلغُ حالًا في طلب العبد من ربه! فالثناء المتضمِّن لمعرفة المسؤول وجُوده ورحمته، يُورث اللّجأ إليه والافتقار إليه والرغبة إليه، أعظم بكثير مما يُوجبه مجرد السؤال الخالي عن تلك المعرفة والحال([5]).

والمقصود أن الداعي مشغولٌ بعبودية ذكره لله تعالى؛ فلا يزال ينعم بأجر العبادة ويترقى في الإيمان طالما أخلص.

-      ثالثًا/ الدعاء من جُملة عملك بالأسباب:

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "الدعاء في اقتضائه الإجابة كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة وكسائر الأسباب في اقتضائها الـمُسببات... فإن الله علّق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب كقوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60]... فعلّق العطايا بالدعاء تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور به"([6]). مع كون عطايا الإله الكريم متنوعة كما سبق.

والتنبيه هنا على أن الدعاء حين يُجاب في الدنيا؛ فإنه يعني أن الحاجة المطلوبة قد قُدِّرت لصاحبها بأسباب منها قيام الإنسان لله بالدعاء، "فلم يُقدّر مُجردًا عن سببه، ولكن قُدّر بِسببه. فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأتِ بالسبب انتفى المقدور. وهذا كما قُدِّر الشّبع والرّي بالأكل والشُرب... وقُدِّر حُصول الزرع بالبذر... وكذلك قُدِّر دخول الجنة بالأعمال، ودخول النار بالأعمال... وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب"([7]).

ويُبنى على كون الدعاء سببًا من الأسباب التي ينبغي السعي إليها، أن السبب يكون مرتبطًا بمقدار؛ قد يكون يسيرًا أو كثيرًا؛ بحسب ما قُدِّر للمرء. ومن هنا لا ينبغي أن يستعجل الداعي جوابَ دعائه، فقد تُسرِع الإجابة أو تطول، فإنّ "من الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد، ويستبطئ الإجابة، فيستحسر، ويَدَع الدعاء. وهو بمنزلة مَن بَذر بذرًا، أو غَرس غِراسًا، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلمّا استبطأ كماله وإدراكه، ترَكَه وأهمله! وقد قال صلى الله عليه وسلم: (يُستجابُ لأحدِكُم ما لم يعجَلْ، يقولُ: دعوتُ فلم يُستجَب لي) [أخرجه البخاري:6340، ومسلم:2735]"([8]).

فلنعتنِ بهذه الأمور الثلاثة فتكون وقود عزائمنا لسؤال الله من خيرَي الدنيا والآخرة، والله الـمُوفق.

 

جمانة بنت ثروت كتبي

20 / 9 / 1447هـ

 

* مقال سابق: وقفات مع الدعاء.

 



([1]) الداء والدواء [ويسمى كذلك: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي]، ط4/ عطاءات العلم،  6-7.

([2]) الداء والدواء، 23-24.

([3]) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب، ط10/ مؤسسة الرسالة ناشرون (2 /404)، علمًا بأنه أورد حديثًا آخر رواه أحمد [14879]، والترمذي [3381].

([4]) الداء والدواء، 9-10.

([5]) انظر: جامع المسائل، ابن تيمية، ط2/ عطاءات العلم، (8/ 12-14).

([6]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ط/ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (8/ 192-193).

([7]) الداء والدواء، 26-27.

([8]) الداء والدواء، 13، بتصرف يسير.


Image by Freepik

تعليقات

  1. الله يجعل لنا جميعًا نصيبًا من القبول والإجابة
    كتب الله أجركم ووفقكم لما يحب ويرضى

    ردحذف

إرسال تعليق